لا نوم بعد اليوم

دقت الساعة أجراس الثالثة صباحاً في ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر جمادٍ الثاني، استيقظتُ من نومي على وخزات ألم خفيفة أسفل معدتي وظهري، ظننتُ أني بحاجة لأقضي حاجتي فذهبتُ إلى الحمام من فوري، كنت شبه نائمة ولم أفق إلا والألم يزداد حدة، يقصف بي لدقيقة ثم يغيب دقيقتين، لم أستوعب ماذا يريد مني الألم أن أفعل؟ كنتُ أقف وأنحني وتارة أجلس القرفصاء حسب استطاعتي، وتارة أتمدد على ظهري ثم جنبيّ وتارة أُمسك بظهري بكل ما استطعتُ من قوة لعل الألم يخف إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل!

مرت ساعة وأنا أعاني والألم يزداد، أصبح أشبه بسكاكين حادة غُطست في مياه حارة ثم غُرست أسفل معدتي، و يدٍ ذات أظافر حادة تجذب ظهري للخلف وكأنها تنتزعه من مكانه، لم أقوَ على نصب ظهري باستقامته، بدأت أمشي بإنحناء وبدأت دموعي بالتساقط، ألقيتُ نظرة على الساعة فإذا هي الرابعة والألم على ما هو عليه منتظمٌ في مجيئه وإيابه.

بدأت أشعر أنه ألم الطلق! أيقظتُ زوجي وأخبرته أني بحاجة للمستشفى أو أي مسكن للألم، انطلق بي وبأمي إلى المشفى، كانت الشوارع شبه فارغة ونحن في هذا الصباح الباكر وطُرقات مدينتنا المليئة بـ (المطبات) تزيد ألمي ألماً. وصلنا تقريباً حوالي الرابعة والنصف وحملوني للطوارئ مباشرة، كشفت عليّ الطبيبة المناوبة ثم بشرّتني أن الرحم مفتوحٌ بمقدار 6 سنتمتر وأخبرتني كم هي متفاجئة أني تحملتُ الطلق حتى وصل هذا المقدار بالرغم من صغر جسدي وضعفه، كانت بشارتها كارثة! كنت سعيدة وخائفة حد الموت، أخبرتها أني أريد طبيبتي فاتصلت بها وجاءت من فورها لتخبرني أن الفتحة وصلت 8 سنتميتر!

خلال هذا الوقت كان الألم يزداد كنت أنظر حولي ولا أرى شيئاً، فقط أصوات الممرضات وصريخ نساء على وشك الولادة في الغرف المجاورة، وأنا كنتُ أصرخ في داخلي ثم أعض على شفاتي حتى لا تنفلت مني صرختي، أصبح العرق يتصبب مني وتمددي بشكل طبيعي على السرير أصبح مستحيلاً!

في كل دقيقة يأتيني الألم كنت انظر للسقف وأتمتم (عايدي يا تونا عايدي ما يوجع أصلاً مافي شي يعورني دحين يروح دحين يروح) ثم يزداد ألماً وتقطيعاً! ومرات كنتُ أحاول التفكير بأشياء أخرى، حاولت أن أُحضر طيف صديقاتي وبنات أعمامي وأتذكر كل لحظاتنا السعيدة إلا طيفهم لم يأتي أبداً، حاولتُ أن أتخيل شكل طفلتي الجميلة ولم أتخيل إلا منظر أحشائي وهي تتمزق بعنف دون رحمة!

فقدتُ الأمل بطرد الألم فالتفتُ إلى الممرضة بجانبي وأنا انظر إليها أن انقذيني وهي تردد (ريلاكس مدام!) وأنا ارمقها بنظرة تقول (ليس هذا ما أريد سماعه!) ثم جاءت أمي وهي تستغفر وتسبح وتهلل وتكبر، تقرأ المعوذات وتدعي لي، وضعتُ يدي على موضع ألمي ورددت (أعوذ بكلمات الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) حينها سمعتُ أذان صلاة الفجر، بكيتُ وبكيتُ وأغلقتُ عينيّ وناجيتُ ربي (يا قوي يا عزيز بقدرتك وجبروتك أذهب هذا الألم) جاء زوجي بعد أن أنهى إجراءات الولادة وأمسك بيدي وأخبرني أن الأمر سينتهي، لم تفعل جملته شيئاً أو أني لم أسمعها جيداً من شدة الألم!

نظرتُ إلى عينيه وأخبرته أني بحاجة لإبرة الظهر مهما كانت نتائجها، كنتُ في لحظات أحتاج فيها لأي مخدر أو .. مخدرات! وافق زوجي على مضض رغم عدم رغبته بأخذها، وصل دكتور التخدير وطلب مني الجلوس وحني جسمي إلى الأمام، شعرتُ حينها بالغثيان واستفرغتُ كثيراً حتى انتهيتُ ثم بدأ عمله، في كل مرة يأتي الألم أُخبره فيتوقف ثم يعود ليكمل ما بدأه، وحين انتهى وضّح لي أنه بعد عشرة دقائق لن أشعر بأطرافي السفلية وسيذهب الألم بإذن الله، وحدثت المعجزة!

سبحان من ألهم الإنسان العقل ليخترع مثل تلك الإبرة، فجأة اختفى كل الألم وكأنه لم يكن، كنتُ مسترخية تماماً وكأني انتهيتُ للتوي من جلسة مساج، قدمي أصبحت ثقيلة وبالكاد تمكنتُ من رفعها، لحظتها شعرتُ بالسعادة والآن أريد الولادة! بدأت أركز وأفكر فيما سيحدث، طلبتُ من زوجي أن يصورني ويصور غرفة الولادة ويقيّد الوقت والتاريخ، أخذتُ آيفوني لأخبر صديقاتي وبنات عمي أني سألد قريباً وأرسلتُ الصور لتويتر ثم غفوتُ لدقائق وبعدها غادرني النوم إلى أجل غير مسمى.

دقت الساعة العاشرة وبدأ فيلم الإعجاز العلمي الذي لم أستطع تخيله طية حياتي، كيف سيخرج كائن حي من جسدي؟ أمر لم تتمكن مخيلتي من إدراكه، بدأن الممرضات بتجهيز الغرفة وتمريني على التنفس والدفع، كانوا يستشعرون وقت الطلق الذي فقدتُ الإحساس به ثم يطلبون مني أن ادفع (بوووش مدام يلا بووش!) واستمر الحال لساعة كاملة وأنا أدفع حين يطلبون مني ذلك .. فقط لا غير!

وكانت الطبيبة في كل لحظة تٌخبرني ماذا ترى، (شوفي شعرها باين .. تبغي قُصتها ولا أقصها؟ .. خلاص الرأس ح تخرج .. يلا باقي دفتين ونخلص .. الخ) كانت كلماتها تريحني ودائماً تذكرني بالدعاء (اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) وما هي إلا دقائق حتى شعرتُ بجسدٍ صغير يخرج من أحشائي ثم وضعوها على صدري مباشرة، كانت كتلة مغطاة بالدم لم أتبين منها شيئاً وبسرعة حملوها بعيداً عني، لا أذكر أني شعرتُ بأي إحساس، حقاً لم تكن هناك أي مشاعر!

لم تصرخ! مرت عدة ثواني منذ خروج طفلتي لكني لم أسمع صراخها، نظرتُ إليها من بعيد والممرضات يضربن بظهرها وصدرها ويمسحن الدم عنها، كان لونها مزرقّا ولم يكن هناك صوت! حينها خفتُ كثيراً أن أعود إلى بيتي بدونها، ضغطتُ على يد زوجي بصمت وكان صامتاً هو أيضاً حتى بدأت طفلتنا بالبكاء، لوهلة رأيت غرفة الولادة مشعة بالضوء ورائحة ياسمين فاحت فجأة، توقعتُ أن أبكي ولكني ضحكتُ وضحكتُ كثيراً، قبّل زوجي رأسي ورأيتُ سعادةً في عينيه لم أرها في حياتي، لولا رجولته لتساقطت تلك الدموع المحتبسة في عينيه، صوت بكاءها أخفى كل صوتٍ آخر، قد يكون مزعجاً لمن حولي ولكنها أغنية انتظرت صدورها تسعة أشهر كاملة!

بدأت الطبيبة بخياطة جرحي ولم أكن أشعر بشيء فوجود طفلتي بجانبي وهدوئها بين أحضاني كان عندي بالدنيا كلها، قبّلتها كثيراً وهمستُ في أذنها بكل كلمات الحب التي أعرفها، حصّنتها ودعيت لها بالصحة والعافية، ثم حملوها عني للعناية بها، وبقينا أنا وزوجي وأمي والطبيبة في الغرفة لا يشغلنا موضوع إلا (ايش نسميها؟)

استغرق الأمر عشرة ساعات تقريباً ومازلتُ حتى هذه اللحظة أراها عشرة دقائق، لم أشعر بالأمومة إلا حين أحضروها لغرفتي وأخبروني أن أرضعها، اتصال الجسد بعد انفصاله أعاد للأمومة معناها، حملتها برفق رفعت رأسها الصغير قرّبتها إليّ وشممتُ رائحتها الطفولية، أيها الأصدقاء لقد كنتُ في الجنة!

لا إله إلا الخالق المبدع الذي جعل ذلك الكائن الصغير يُنسي والدته آلام كل ما مضى وكأنه لم يحدث، حقاً إنها الساعة المنسية! لم أعد أطيق فراقها أشتاق إليها وهي بجانبي، الصقتُ آيفوني بها حتى لا تفوتني حركةٌ واحدة من حركاتها اللطيفة، ابتسامتها كشرتها بكائها نومها يا لله ما أروعها وأبهاها

اخترنا لها اسم (جوانا) وأدرجنا الخبر في الفيس بوك ووصلت التهاني والتبريكات، سعادة جميع المهنئين لا تساوي معشار سعادتي، إلهي يا قيوم السماوات والأرض بارك لي في ابنتي، يا ربي اسعد جونه، يا ربي احفظ جونه، يا ربي خلّي جونه، يا ربي حلّي جونه، يا ربي جونه جونه

انتهت رحلة الإنجاب وبدأت رحلة التربية و … السهر :mrgreen: فلا الليل ليلٌ ولا النهار نهار، ومرحلة النفاس تعبٌ آخر أكفيكم الحديث عنه، سهر الليالي والإرهاق بعد الولادة كفيل بإسقاط الإنسان صريعاً إلا أن رحمة الله وضعت في المرأة قوة لم أكن أتخيلها في نفسي، لم تكن الجنة تحت أقدام الأمهات إلا من العذاب الذي مررن به، بالرغم من كل الألم تجدني أغني لطفلتي بكلمات الحنان وأرقص بها هنا وهناك، إنها معجزة إلهية تدعونا للنظر في عظمة خالقنا، سبحانك ربي لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

اعتذر للإطالة وللحديث بقية إن شاء الله 🙂

Advertisements

42 فكرة على ”لا نوم بعد اليوم

  1. الصور كلها جنان بس الغمزه وام لسان برستيج ثاني ههههههه
    ياانااس عليها تدنن ربي يحفظها ويخليها لك ويخليك لها 🙂

  2. ما شاء الله عليها ^^
    ربي يحفظها من كل شر ~

    عيشتينا اللحظات يا ماما تونا .. سبحان الله
    يا أختي علشان هالسبب الجنة تحت أقدام الأمهات

    تدوينة مميزة
    ربي يخليها لكم .. والحمدلله على سلامتك
    =)

  3. آخر تدوينة قريتها ليكي كانت وأنتي راجعة من الجامعة ايام سيول جدة واليوم بقرالك التدوينة دي سبحان الله الايام بتجري كيف ! تتربي في عزكم ويصلحه لكم ان شاء الله .

  4. بداية أبارك لك ولأبي جوانا هذه الموهوبة أسأل الله أن ينبتها نباتا حسنا كما أبارك لجوانا بأن رزقت بأم مثلك تجيد الوصف والتعبير حتى في أصعب اللحظات وعقبال فرحتك فيها
    وعقبالنا بعد شهرين 🙂

  5. تتربي في عزكم
    وعنها خلاص لا تشيلي هم عندها معجبين كثير في تويتر وهنا ههههههه وبكره حتشوفي حتجننك وتقولك ياماما ابغي لي حساب في تويتر بغرد بكيفي ههههههههه وكمان راح تكتب عنك التدوينات الجايه ههههههه
    الله يحفظها ويخليها لكم يارب = )

  6. ياناشو ع العسلين –> جمع عسل

    اول شي مبرووك وتتتربى في عزك انتي وابوها

    تاني حاجه وصفك مرا ابداع عيشتيني اللحظات والدموع تجمعت في عيني

    لسى مشواري 6 شهور قدام بس حسيت اني مشتاقه لدي اللحظات

  7. حمداً لله على سلامتك عزيزتي ومبروك قدوم جوانا جعلها الله من مواليد السعااادة 🙂

    تنويه: دعاء امرأة عمران معكوس والصحيح هو “اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم” 🙂

  8. تونا…… بكيتيني هداكِ الله!!
    يا الله!!! مشتاقة جدا جدا لهدا الشعور!!
    فجرتِ ينابيع الحب والحنان في قلبي برغم إني ما زلت فتاة عادية زيها زي غيرها!!
    والله أحبك كتييير والله يخليلك جونتك ويجعلها من البارين لأعظم والدين لها في الحياة كلها!!

    ومتأخرة كعادتي ^^”

  9. الف مبروك و ربنا يحفظها و يخليها و تتربى في عزك ان شاء الله 🙂
    مشاهدة كتاباتك من ايام انتظار العريس و حتى الزواج المنتظر ثم الحمل و الولادة و اخيرا جوانا كانت مسلسلا دراميا شدني كثيرا هههههههه
    و عقبال ما أعيش التجربة انا برضو ^^

  10. يارب يحميلك ويحفظلك هيا ..
    تتربى في عزكم وياارب يرزقك رضاها ..

    وصفك كلوو حُب .. عيني دمعت !
    *-*

  11. يااااه يا تينــــا…أول مره أقرأ التدوينة دي !!
    قد إيش ذكرتني كلماتك بولادتي أيام لين :’)
    فعلاً رجعتيلي الذكريات و وصفك لأحاسيسك تجاه جوانا…من يوم ( رموها ) في حضنك <<< لأنهم فعلاً يرموا البيبي رمي خخخخخ
    تحسي فجأة الثقل اللي كان في بطنك سار على صدرك P:
    يا اللــــه قد إيش إنه أحلى إحساس في الدنيا ( يا رب أرزق كل منتظر لهذه النعمه و هذه المعجزة )

    وجوانا لما شرفت نورت دنيتنا كلنا مو بس لمامتها و بابتها
    الله يحفظلكم هي يا رب و يجعلها باره بوالديها<<<حبيــــبــــتي الجونه دي

    و أخيراً أقولك الحمدلله على سلامتك و سلامة جونه D:
    و إن شاء الله ربنا يرزقك بأخ و أخت لها و انت بكامل صحتك و عافيتك ^^

  12. يناسوووووووووو روعة الصور الله يحميها ويخليها لك يارب وما يحرمك منها .
    صراحة كله كيوت وكنت بسسسالك عن القفصان بسس من فين لانه انا ولادتي بعد ٣ شهور وعجبتني الفكرة ياريت تقوليلي حتى البلوزة الصغيرة وفرع الششششجرة من فين برضه ..
    اكثر من رائع حلو ذوقك كمان الله يخليلك بنتك يارب
    هديل

بانتظار تعليقك :)

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s