تجربة الولادة الثانية

IMG_0172

كنا قد خططنا لتناول الغداء في مطعم بياتو بعد أن انتهي من موعد متابعة الحمل، كنت أشعر ببعض الوخزات أسفل معدتي، لم تكن شديدة أو ربما كانت كذلك إلا أني سبق وجربت أشد منها، لم أشتكي فمنذ دخولي شهري التاسع وأنا أعاني منها وحين سألت عن سببها أخبروني أنه الطلق الكاذب ومن يومها وأنا أحسب كل ألمٍ ألماً كاذباً!

جاء دوري ودخلت على طبيبتي تمددتُ كالعادة فوق السرير، كشفت عليّ ثم اتسعت عيناها حتى خشيتُ أني سأفقد طفلي، ثم بشرتني أني جاهزة للولادة وأنه يتحتم عليّ الذهاب الآن للطواريء! لا يمكنكم تخيل السعادة التي غمرتني فأنا انتظر هذه الجملة منذ ٤ أسابيع! حملتُ أغراضي وأمسكتُ بطبيبتي وذهبنا للطواريء، سألتُها إن كان بإمكاني الصلاة فأنا لم أُصلِ العصر بعد، ردت بأن الولادة ليست الآن وليست بعد ساعة ولا ساعتين وربما ستكون بعد ٦ ساعات! لهذا بإمكاني فعل أي شيء حتى يحين الوقت، صليتُ وأنا اتخيلها صلاتي الأخيرة، كنتُ سعيدة لدرجة أني نسيتُ الاتصال بزوجي وإخباره بالتطورات الجديدة 🙂

كان الوضع مستتباً إلى حد ما، أتمرن خلالها على التنفس الهاديء وأقطع الغرفة ذهاباً وإياباً، كان الألم يزداد فجأة ربما هو التوتر وربما الخوف، لم يكن وجعاً خفيفاً لا أُبالي به ولا شديداً لا أُطيق احتماله، أعطتني الممرضة ثوباً مفتوح الظهر لأرتديه ثم وضعتني على الفراش وانطلقت بغرز المحلول في يدي، كانت الساعة تُشير إلى السادسة إلا ربع، وصل زوجي من مكة وسألني اذا كنتُ على ما يُرام فوضعي الآن بالنسبة لوضعي حين ولادة جوانا مختلف تماماً، أنا في الطواريء سعيدة، هادئة و(أطقطق) على جوالي بدون إبرة الظهر!

 

طمأنته أني وطفلي بخير إن شاء الله فقط ننتظر قدومه، تحدثنا عن أحلامنا، توقعاتنا، تشاجرنا على اختيار الاسم، وضحكنا على أشكال بعضنا. كانت أجمل نصف ساعة قضيناها معاً، كنا نبتسم خمسة دقائق ثم اضغط على يديه خمسة دقائق حتى يزول الألم. فجأة ودون سابق إنذار شعرتُ بمياه تسيل وجسمٍ يدفع نفسه ليخرج وألمٍ يُصارع أنفاسي، طلبتُ النجدة وتمسكتُ بيد زوجي أكثر، حاولتُ النظر إلى الساعة بجانبي لكن قوة الألم لم تمكنني من فعل ذلك!

حضرت الطبيبة ومعها أمي، الجميع متفاجيء من تطور الطلق السريع، طفلي يريد الخروج بقوة، القسم السفلي من جسدي بالكاد أستطيع السيطرة عليه، شعرتُ بالتشنج لحظة وبالموت لحظات، لا يمكنني رؤية شيء! أغمضتُ عيني وتخيلتُ النهاية، كل ما تمكنتُ من فعله هو سماع الطبيبة وهي تصرخ (دُفّي دفة طووويلة طويييييلة طويييلة .. بطلة!) والضغط على يد زوجي بأقوى ما أستطيع وكأني أنقل له بعض ألمي، خلال الثواني المعدودة بين الطلقتين أحاول التنفس قدر ما استطيع، كنتُ أشعر بالضيق في كل مرة تقول فيها الطبيبة (ايوا شاطرة بنتي) طيب! اذا كنتُ حقاً (شاطرة) لماذا لم ينتهي الأمر حتى الآن؟؟ الدقيقة الواحدة كأنها ساعة! بدا لي وكأن الجاذبية الأرضية ازدادت قوة! هناك ما يدفع ظهري للأسفل بشدة وكأنه سيفصلهُ عن جسدي، شعرتُ بدماءٍ حارة تتدفق في رأسي، صرخت! نعم صرخت! سالت دموعي وشهقتُ من الألم عدة مرات حتى سمعتُ أروع بكاءٍ في الوجود، بكاءٌ جعل قلبي يرقص طرباً، إنه بكاءُ طفلٍ جديد قَدِم لهذه الدنيا

انتهى الفيلم في أقل من ساعة والحمدلله، ضممته بقوة وهمستُ له بكل كلمات الحب التي أعرفها، حمدتُ الله أنه بصحة وعافية، باركت لي أمي والطبيبة، قبّلني زوجي بعد أن مسح قطرات العرق من وجهي، نظر إليّ بسعادة (لقد أحسنتِ صنعاً)، لم أعشقهُ كما عشقته تلك اللحظة! أتمنى من كل زوج ألا يتخلّى عن زوجته ساعة الولادة، لا يمكنكم تخيل التأثير الذي يحدثه وقوفك بجانبها وتقديرك لصعوبة ما قامت به، وإظهار حبك لها مهما كان مظهرها مرهقاً، هي لا تنتظر منك أكثر من ذلك!

بدأت الطبيبة بخياطة الجرح، حينها تمكنت من النظر إلى الساعة التي كانت تُشير إلى السابعة، كنت قلقة من ألم الخياطة الذي لم أشعر به في ولادة طفلتي الأولى بسبب إبرة الظهر، إلا أن الألم لم يستحق ذلك القلق، بعضٌ من (شكّة إبرة) هنا وهناك وبعضٌ من اللسعات الحارقة كلسعة زيت متطاير أثناء القلي 🙂

وصلتُ الغرفة وجلستُ على السرير، تنفست الصعداء وأنا أتأمل الشجر من النافذة، مرّ الأمر بسلام والحمد لله، ابتسمتُ وأنا أتذكر الكوابيس التي تخيلتها، دعوتُ الله أن يرزق كل حامل ولادة سهلة كشربة الماء، هذه قصتي التي أردتُ روايتها هنا، وهو فصل جديد في حياتي، حياةُ أمٍ لطفلةٍ ورضيع، حياةٌ ليست سهلة كما يبدو 🙂

Advertisements

22 فكرة على ”تجربة الولادة الثانية

  1. اهلا تونا .. كيفك ياعسل؟؟

    الف مبروووووك البيبي و الحمدلله ع سلامتكم الله يجعله من البارين الصالحين يارب ..

    وانا اقرأ التدوينة حقتك شوووية و ابكي ياالله كأنك تحكي عني بكككل شي سبحان الله نفس شعور الجاذبية الارضية و انه الظهر ح ينفصل و ما اخذت ابرة ظهر بولادتي في ولدي عكس بنتي الاولى اخذت الابرة .. الفرق انه انا طلعت من القاعة(ملكة اختي كانت) بالميك اب و الكعب ههههههه ع المستشفى حاسة الام ولادة مع اني كنت اول يوم بالتاسع بس الحمدلله اهي عدت و خلصنا

    المهم حبيييت التدوينة و كمية المشاعر المكتوبة فيها .. الله يأجرنا يارب

    والف مبرووووك مره ثانية ياعسل ❤️

  2. أستمتعت وأنا أقرأ التدوينة، تخيلت لو إحنا الرجال نمر بهالتجربة ضحكت لا إردياً وحمدت الله كثيراً D:

    مبرووك، وجعله الله من مواليد السعادة.

  3. حبيبتي الحمدلله عسلامتك
    ربي يخليلك زوجك و اولادك ويسعدكم
    والحمدلله كانت ولادتك مسهلة وربنا كان معك

  4. اعترف اني كلما اقرا او اسمج تجربه وحده بالولاده احس اني مابغا عيال هههههه .. فيلم رعب حقيقي .. الحمدلله ع سلامتج و سلامه البيبي .. الله يحفظج .. تدرين انا وايد سعيده لأنج للحين متمسكه بالمدونه وتدونين .. يمكن انا ادخل من فتره هذي الذكريات رح تكون ارث عظيم لج ولعيالج .. حلو لو تطبعينهم في ملف مثل البوم الصور

  5. دمعت عيوني وأنا أقرأ يا تونا :”

    الحمدلله على سلامتك، انقطعت عن تويتر فترة طويلة وتوني ادري انك حملتي اصلاً هههه، الله يبارك لك فيهم ويرزقك برهم.

    ويسهل لكل حامل ولادتها 🙏

  6. حمدلله على سلامتك و سلامة البيبي 🙂 جعله الله من البارين و الصالحين ، أحببت التدوينة جداّ بكل ما تحمله من أحاسيس و مشاعر(لطالما أحببت كتاباتك ) ، و دائما أسعد بتطورات حياتك ، روقكم الله كل السعادة و راحة البال 🙂

  7. فاتن ،
    ألف الحمدلله على سلامتك و ألف مُبارك وصول قطعة جديدة من الجنة 😛
    تجربتك مميزة ، و كل ما أسمع تجربة ولادة دائماً أفكر كيف إن عملية الحمل و الولادة هي نفسها بين كل نساء العالم ، إلا إن كل وحدة عندها قصة و تختلف جداً من امرأة لـ امرأة و من طفل إلى طفل آخر

    تدوينتك هذي تطمن شوي ، لأن كثير يقولون تجربة الولادة الثانية
    تكون أصعب من الولادة الأولى نفسياً و هذا يرجع لأنك تكوني عارفة وش بيصير لك
    و ربي يسهل على كل حامل إن شاء الله ، و يرزق كل محروم

    و ربي يسعد لي الجميلة اللي تبوس أخوها

  8. دمعت عيوني وانا اقرا المدونه يارب سهل لي ولكل حامل حبيت اسالك عزيزتي عن لمستشفى الي ولدتي فيه والطبيبه؟ وتنصحيني بابره الظهر او لا ؟ واول مره وميته خووووف

    1. مستشفى الطبي الدولي عند دكتورة سماء ناظر
      طبعاً أنصح بالإبرة بس يعتمد على رأي الدكتورة وحسب حالتك وقتها
      الله يسهل لك ولادتك يا رب، تعدي إن شاء الله وتنبسطي بطفلك الللي ينسيكي كل شي 🙂

  9. يوووه ياتونا حقيقي أتمنى اروح واوقف مع كل وحدة بتولد وادعمها بيجي يوم وأكتب قصة ولادتي وكيف سبحان الله الأمور تتغير وتتبدل في لحظات وطبعاً الزوج الزوج مكانته مهمة في هذا الموضوع

بانتظار تعليقك :)

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s